ابراهيم بن عمر البقاعي

222

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان سبحانه مع كل بعلمه ، وأقرب إليه من نفسه ، فكان مع ذلك غيبا محضا لكونه محتجبا برداء الكبر وإزار العظمة والقهر ، وكان الإنسان لما غاب عنه نساء ، ذكره مرهبا بقوله مستأنفا أو معللا مؤكدا تنبيها على ما في ذلك من الغرابة والعظمة التي يحق للإنسان مجاهدة نفسه لأجلها في الإيمان به والمواظبة على الاستمرار على استحضاره ، لأن أفعال العاصي أفعال من ينكره : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال . ولما كان ما يتقدم فيه إما قولا أو فعلا قال : سَمِيعٌ أي لأقوالكم قبل أن تقولوها عَلِيمٌ * أي بأعمالكم قبل أن تعملوها . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما وصف سبحانه عباده المصطفين صحابة نبيه والمخصوصين بفضيلة مشاهدته وكريم عشرته فقال مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] « إلى آخره » ، فأثنى سبحانه عليهم وذكر وصفه تعالى بذلك في التوراة والإنجيل ، وهذه خصيصة انفردوا بمزية تكريمها وجرت على واضح قوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [ آل عمران : 110 ] إلى آخره ، وشهدت لهم بعظيم المنزلة لديه ، ناسب هذا طلبهم بتوفية الشعب الإيمانية قولا وعملا ظاهرا وباطنا على أوضح عمل وأخلص نية ، وتنزيههم عما وقع من قبلهم في مخاطبات أنبيائهم كقول بني إسرائيل يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ [ الأعراف : 134 ] إلى ما شهد من هذا الضرب بسوء حالهم فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ - إلى قوله - وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فطلبوا بآداب تناسب عليّ إيمانهم وإن اغتفر بعضه لغيرهم من ليس في درجتهم وقد قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين فكأن قد قيل لهم : لا تغفلوا ما منح لكم في التوراة والإنجيل ، فإنها درجة لم ينلها غيركم من الأمم فقابلوها بتنزيه أعمالكم عن أن يتوهم في ظواهرها أنها صدرت عن عدم اكتراث في الخطاب ، أو سوء قصد في الجواب ، وطابقوا بين ظواهركم وبواطنكم وليكن علنكم منبئا بسليم سرائركم إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ثم عرفوا بسوء حال من عدل به عن هذه الصفة فقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ثم أمروا بالتثبت عند نزغة الشيطان ، أو تقول ذي بهتان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية ، ثم أمرهم بصلاح ذات بينهم والتعاون في ذلك بقتال الباغين العتاة وتحسين العشرة والتزام ما يثمر الحب والتودد الإيماني والتواضع ، وأن الخير كله في التقوى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وكل ذلك محذر لعلي صفاتهم التي وصفوا بها في خاتمة سورة محمد .